محمد بن زكريا الرازي
146
منافع الأغذية ودفع مضارها
أجود السمك وفي الجملة ، فأجود السمك ألذه وأقله سهوكة ، صغر أو كبر . وقلما يكون السمك الجيد في النقائع « 1 » والآجام والمياه القائمة الرديئة . وقد يكون في الأودية العظام والقنى العذبة وفي البحر . وفي مواضع من البحر دون مواضع سمك جيد ، حسن اللون ، طيب الرائحة ، قليل السهوكة . وما اصفرّ واسودّ من السمك فرديء في أكثر الأمر . الهاربا « 2 » وقد يصلح السمك الهاربا إذا اتخذ بالخلّ للمحمومين والمحرورين ، وينفع أصحاب اليرقان والأكباد والحارّة . من يضرّ به في الأمزجة واضرّ ما يكون السمك بأصحاب الأمزاج الباردة والمعد البلغمية ، فإنه يولّد في هؤلاء عن إدمانه أمراضا رديئة في العصب والدماغ . ولذلك ، ينبغي لمن اضطر منهم إلى إدمانه أن يقليه أو يشويه بدهن الجوز أو الزيت ، وأن يأكله بالفلفل السحيق ، ويأخذ عليه الزنجبيل المربى ، ويشرب عليه الشراب الكثير المقدار ، الصرف ، القوي ، ويصابر العطش ما أمكن . فإن السمك طريه ومالحه جميعا معطش . وإن اتفق في حالة أن يشرب عليه من الماء ما تتمدد منه المعدة وتشتاق إلى القيء ، بادر إليه . وعلى أن الأجود أن لا يؤكل السمك إلّا في يوم يعزم فيه على القيء . ومتى أكل منه ولم يؤثر القيء ، شرب بعده دواء مسهلا ليخرج من البدن ما يولّده من البلغم « 3 » اللزج والزجاجي الذي كثيرا ما يكون سببا للقولنج « 4 » الصعب والفالج والسكتة .
--> ( 1 ) النقائع والآجام والمياه : سبق شرحها . ( 2 ) الهاربا : نوع من السمك يستفاد منه في علاج مرضى الكبد والطحال وأصغر من سمك الشبوط ، وينفع أصحاب اليرقان والأكباد الحارّة . ( 3 ) اللزج والزجاجي : نوعان من أمراض البلغم . ( 4 ) القولنج والفالج والسكتة : أمراض سبق شرحها .